شروع إسرائيل في استهداف قيادات ومسؤولين في السلطة غير المعترف بها دوليا التي يقيمها الحوثيون في مناطق سيطرتهم باليمن، يكشف سعي الدولة العبرية إلى خلخلة أركان تلك السلطة ومنع تماسكها واستقرارها اللذين يعتبران أساسا لقدرة جماعة الحوثي على مواصلة الحرب والتمادي في المواجهة وهو هدف شرعت تل أبيب أصلا في العمل على تحقيقه من خلال تعمّدها تدمير البنى التحتية والمرافق الحيوية في مناطق الحوثي دون تمييز بين ما هو مدني وما هو عسكري.
صنعاء - حملت الأنباء المتداولة بشأن مقتل رئيس الوزراء في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليا في غارة إسرائيلية، مؤشرا على دخول المواجهة بين جماعة الحوثي المدعومة من إيران والدولة العبرية مرحلة جديدة تقوم فيها تل أبيب بخلخلة أسس السلطة الموازية التي تقيمها الجماعة على مناطق شاسعة من اليمن وذلك باستهداف هيكلها الحكومي وبنيتها الإدارية وتدمير المرافق الحيوية، بما في ذلك المدنية، قصد تعقيد مهمتها في بسط سلطتها على تلك المناطق والسيطرة على سكانها.
وأفادت مصادر مقربة من الحوثيين، الجمعة، بمقتل رئيس الحكومة التابعة للجماعة أحمد غالب الرهوي، في غارة جوية إسرائيلية استهدفت العاصمة صنعاء.
وقالت المصادر، التي طلبت عدم الإفصاح عن هويتها، لوكالة الأنباء الألمانية إنّ عددا من مرافقي الرهوي قتلوا أيضا في القصف الذي جاء الخميس ضمن سلسلة من الغارات الجوية الإسرائيلية على صنعاء.
وذكرت بوابة عدن الغد الإخبارية من جهتها نقلا عن مصادر لم تفصح عنها، أن رئيس الوزراء قتل أثناء استهداف غارة إسرائيلية مبنى سكنيا كان يتواجد مع هؤلاء المرافقين.
تلويح بالسيناريو اللبناني الذي تلقى فيه حزب الله ضربات قاصمة أودت بأبرز قادته ومنهم زعيمه التاريخي حسن نصرالله
وسبق لإسرائيل أن هددت باستهداف قيادات حوثية، في تلويح ضمني بالسيناريو الذي طبّقته ضد حزب الله في لبنان وأفضى إلى مقتل عدد كبير من أبرز قادته العسكريين والسياسيين على رأسهم أمينه العام آنذاك حسن نصرالله.
لكن الجيش الإسرائيلي اكتفى إلى حدود ما قبل الخميس بقصف أهداف أخرى مع تركيز واضح على البنى التحتية والمرافق الحيوية.
وفي مظهر على التحول نحو استهداف القيادات قالت هيئة البث العبرية الرسمية إن الهجوم الإسرائيلي الذي جرى الخميس على العاصمة اليمنية صنعاء استهدف قادة بارزين في جماعة الحوثي.
وذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي بدورها نقلا عن مصادر أمنية قولها إنّ تقديرات بأن قادة الحوثي المستهدفين في صنعاء تجمعوا لمشاهدة خطاب لزعيم الجماعة عبدالملك الحوثي.
كما نقلت القناة الثانية عشرة عن مصدر إسرائيلي مطّلع قوله إن الهجمات على صنعاء تم التخطيط لها بداية الأسبوع الجاري واستهدفت شخصيات سياسية حوثية بارزة.
وبدوره أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان مهاجمة سلاح الجو بشكل مركز أهدافا عسكرية للحوثيين في صنعاء. فيما هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في تدوينة على منصة إكس بأن “من يرفع يده على إسرائيل سنقطعها.”
وكان هجوم الخميس على صنعاء هو الثاني في ظرف أقل من أسبوع إذ تعرضت المدينة الأحد الماضي لغارات إسرائيلية خلفت خسائر بشرية ودمارا في البنى التحتية، وجاءت على ما يبدو محمّلة بشحنة غضب استثنائية بفعل المنعطف الذي دشنته الجماعة في استهدافها لمواقع في الداخل الإسرائيلي باستخدامها لأول مرّة صاروخا يحمل شحنة حربية انشطارية تحدث مفعول القنبلة العنقودية المحرّم استخدامها دوليا.
ويشن الحوثيون هجمات على إسرائيل باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة، إضافة إلى استهداف سفن مرتبطة بها أو متجهة نحوها، ويقولون إن هجماتهم تأتي ردا على الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.
وفي السابع والعشرين من يونيو الماضي قررت الجماعة تصعيد عملياتها العسكرية البحرية ضد إسرائيل عبر “استهداف كافة السفن التابعة لأي شركة تتعامل مع موانئ العدو الإسرائيلي بغض النظر عن جنسية تلك الشركة،” وذلك في إطار ما تقول الجماعة إنّه دعم لقطاع غزة الذي يتعرض لحرب إسرائيلية بالغة العنف والدموية.
وتركّز القوات الإسرائيلية في ردودها على قصف جماعة الحوثي لعدد من المواقع داخل إسرائيل على استهداف المرافق والمنشآت الحيوية والبنى التحتية اليمنية المتهالكة أصلا معمقّة بذلك المصاعب المعيشية وسوء الخدمات الذي يعانيه سكان البلاد لاسيما في مناطق سيطرة جماعة الحوثي.
ويعود ذلك إلى وجود قناعة لدى صانع القرار الأمني والعسكري للدولة العبرية بصعوبة القضاء على القوة العسكرية للحوثيين والحدّ من قدرتهم على استهداف إسرائيل بالصواريخ العابرة والطائرات المسيّرة.
وفي حين تبدو جماعة الحوثي الموالية لإيران قليلة الاكتراث بنتائج سلوكها على عيش السكان الواقعين ضمن سلطة الأمر الواقع التي تقيمها بالتوازي مع السلطة اليمنية المعترف بها دوليا في سبيل تحقيق أهداف إستراتيجية تتجاوز اليمن بحدّ ذاته وترتبط بمصالح طهران وسياساتها الإقليمية، تأمل تل أبيب في خلق المزيد من التعقيدات للجماعة في إدارة المناطق الخاضعة لها أملا في تعميق الفجوة بينها وبين سكان تلك المناطق.
هجوم الخميس على صنعاء هو الثاني في ظرف أقل من أسبوع إذ تعرضت المدينة الأحد الماضي لغارات إسرائيلية خلفت خسائر بشرية ودمارا في البنى التحتية
وسبق لإسرائيل أن قصفت في نطاق التكتيك ذاته القائم على حرمان مناطق الحوثي من مرافقها الحيوية، مطار صنعاء الدولي وملحقة به خسائر فادحة شملت تدمير عدد من طائرات الخطوط اليمنية، كما سبق أن قصفت موانئ واقعة على البحر الأحمر غربي اليمن أهمها ميناء الحديدة العصب الحيوي لحياة مناطق الحوثي، والذي ما تزال الجماعة تواجه صعوبات كبيرة في ترميمه وإعادته للعمل بكل طاقته.
وكثيرا ما يثير حجم الدمار الذي يخلفه القصف الإسرائيلي في بنى تحية يمنية الأسئلة حول خيارات جماعة الحوثي في حماية تلك البنى والمرافق بالغة للحيوية للسكان الذين يعانون أصلا تبعات الصراع الطويل المستمر في بلدهم والذي أحدث وضعا اقتصاديا وإنسانيا كارثيا وفقا لتوصيفات دولية وأممية.
كما يثير بالنتيجة الأسئلة عن جدوى استمرار الجماعة في الصراع ضدّ إسرائيل التي تفوقها قدرات عسكرية وتقنية، والنتائج التي يمكن أن تتأتى لها من وراء ذلك، في ما عدا الناتج الدعائي الذي تجنيه من رفع شعار مساندة الفلسطينيين ودعمهم في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة.
لكن الحوثيين المرتبطين بشكل وثيق بإيران يظهرون رغم الخسائر المؤكدة للمواجهة مع إسرائيل إصرارا على مواصلة قصفهم لأهداف إسرائيلية بدفع من إيران نفسها باعتبارها المستفيدة الأكبر من إثارة التوترات في المنطقة ومن خوض صراعاتها ضد خصومها وأعدائها وكالة وعبر أذرع محلية لها من بينها جماعة الحوثي نفسها.
وستكون خسائر الجماعة أكثر فداحة في حال تنفيذ إسرائيل تهديد سبق أن وجهته لهم بفرض حصار خانق عليهم جوا وبحرا ما يجعل مناطق سيطرتهم شبه معزولة عن العالم الخارجي ومحرومة من مختلف صنوف الإمداد بالمواد الحيوية ذات الاستخدام المدني والعسكري على حدّ سواء.